مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
250
تفسير مقتنيات الدرر
في قلوبهم الفاسدة وعقولهم السخيفة فظنّوا أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه وآله إنّما يذكر ذلك على سبيل الكذب . وكذلك لمّا رأوا أنّ في القرآن أحكاما راجعة إلى العبادات كالصلاة والصوم ونحوهما ويقولون بأنّ اللَّه غنيّ عنّا وعن عبادتنا ويقيسون برأيهم وباجتهادهم الفاسد أنّ الغنيّ أجلّ من أن يأمرنا بشيء لا فائدة فيه ، ثمّ يجرون الأمور على الأحوال المألوفة في عالم المحسوسات والطبيعيّات ولا يعرفون أسرارها ولا يطلبون حكمها وعلمها ، ووجوه تأويلها عن النبيّ صلى اللَّه عليه وآله فلا جرم وقعوا في التكذيب والجهل . ولهذا قال سبحانه : * ( [ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِه ِ ] ) * وهذه الآية إشارة إلى أنّ هذه الأمور من جهلهم في الأسرار . قوله : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 40 إلى 41 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِه ِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِه ِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ( 40 ) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 41 ) لمّا ذكر في الآية السابقة قوله : « فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ » وكان المراد منه تسليط العذاب عليهم في الدنيا شرح أحوال بعضهم بقوله : * ( [ وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ ] ) * منبّها على أنّ الصلاح عنده تبقية هذه الطائفة دون الاستيصال من حيث كان المعلوم أنّ منهم من يؤمن به . والأقرب والأولى إرجاع الضمير إلى القرآن ، وقيل : إلى الرسول يعني أنّ منهم من يؤمن به في المستقبل بأن يتوب عن الكفر ويبدّله بالإيمان ومنهم من يصرّ على كفره ويبقى عليه . ثمّ قال سبحانه : * ( [ وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ ] ) * يا محمّد لهم : * ( [ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ] ) * أي عملي الطاعة لي وعملكم الشرك لكم ، أو المعنى : لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم * ( [ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ] ) * . قال بعض المفسّرين : هذه الآية منسوخة بآية السيف . وأنكروا جماعة النسخ لأنّ شرط الناسخ أن يكون رافعا لحكم المنسوخ ومدلول هذه الآية اختصاص كلّ واحد بأفعاله ، وثمرات أفعاله من الثواب والعقاب ، وآية القتال ما رفعت شيئا من مدلولات الآية فالقول بالنسخ باطل .